علي الهجويري

84

كشف المحجوب

الباب السادس في الملامة لقد سار بعض المشايخ الصوفية في طريق الملامة . فللملامة أثر كبير في إذكاء الحب ونقائه ، ويتميز أهل الحق - وعلى الأخص أعلاهم قدرا - بأنهم موضع الملامة من العوام . والنبي - وهو مثلهم الأعلى ، وإمام المحبين للّه نال من تكريم الجميع وتعظيمهم ، حتى انكشف له دليل الحق ، ونزل عليه الوحي ، وعندئذ أطلق الناس ألسنتهم في ملامته فقال قوم كاهن ، وقال قوم انه ساحر ، وقال آخرون إنه شاعر وقال غيرهم إنه مجنون وإنه كاذب الخ ، ويقول اللّه تعالى واصفا المؤمنين الصادقين : وَلا يَخافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ « 1 » . هذه شريعة اللّه ، فهو يضع من يتحدثون عنه وضع الملامة من الناس أجمعين ، ولكنه يحفظ قلوبهم من أن تنشغل بلوم الناس لهم . إن اللّه يفعل هذا غيرة عليهم ، فهو يحفظ أحبابه من أن ينظروا إلى الغير ، حتى لا يرى الغريب جمال مقامهم ، ويحفظهم من أن ينظروا إلى أنفسهم ، حتى لا يروا جمالهم ، ويقعوا في الغرور والكبر . ولهذا أطلق عليهم ألسنة العوام يلومونهم وجعل النفس اللوامة جزءا لا يتجزأ من تكوينهم ، ولذلك حتى يلومهم الغير على كل ما يفعلونه وتلومهم أنفسهم إذا أخطئوا ، أو إذا فعلوا الخير ناقصا غير كامل . هذا مبدأ ثابت في طريق اللّه ، فليس في هذا الطريق حجاب أقسى وأصعب من الغرور . وأصل الغرور ينشأ من سببين : أحدهما من الحظوة لدى الخلق ومدحهم ، أو أن يقع عمله منهم موقعا حسنا . والآخر أن يقع فعل المرء موقع الإعجاب من نفسه ، فيرى نفسه جديرا بالمدح ، فيتيه بهذا عجبا . إن اللّه

--> ( 1 ) سورة المائدة : آية 54 .